صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

389

تفسير القرآن الكريم

إشارة اعلم أيها الحبيب إنه لا يعرف قدر النور إلا النور ، بل كل مرتبة منه لا يعرفها إلا الواقع في جنس تلك المرتبة ، فالنور الحسّي يدرك النور الحسّي ، والنفسيّ النفسيّ ، والعقليّ العقليّ ، فلا يدرك نور الكواكب إلا نور البصر ، ولا أنوار المحسوسات إلا أنوار الحواسّ ، بشرط فنائها عن كيفياتها المختصّة بها . فالقوّة اللمسية من جنس الكيفيات الأربعة ، التي هي أوائل الملموسات إلا أنها معتدل متوسّط بينها ، وقد علمت أن المتوسط بين الأطراف ، بمنزلة الخالي عنها ، فلذلك تقبلها وتدركها وتحّس بها ، وكذا الرطوبة اللّعابيّة الفائضة في جرم اللّسان ممّا لا طعم له في نفسه ، لكن من شأنها أن يتكيّف بكيفية ذي الطعوم ، فيدركها القوّة الذوقية المساوية نسبة حاملها إلى الطعوم ، مع كونه واقعة في جنس الكيفيّات الطعميّة ، وقس عليه سائر الحواس والمدارك ، وهلم إلى عالم العقل والمعقول وما فوقه ، وفي المثل : « لا يحمل عطايا الملوك إلا مطايا الملوك » لا يعرف اللّه غير اللّه ( إلا اللّه - ن ) » . وقد سئل بعض المشايخ : « ما الدليل على اللّه ؟ » فقال : « دليله هو اللّه » . وسئل العلامة الرازي فخر الدين عن الشيخ العارف نجم الدين : « بم عرفت ربّك ؟ » فقال : « بواردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها » . ثمّ وراء العقل علم ، يدق عن مدارك غايات العقول السليمة . وقال بعض المحققين : « دليل معرفة اللّه للمبتدي عشقه وإرادته ، إذ هما ينبعثان عن معرفة مّا وإن كانت قليلة ضعيفة ، نسبتها إلى المشاهدة التامة نسبة البذر إلى الثّمرة فالمحرّك للقلوب إلى الحق تعالى هو ذاته تعالى « لا أحصي